محمد متولي الشعراوي

1455

تفسير الشعراوى

اللّه واحدا ، ليشيع اصطفاؤه في الناس ؟ لأن الاصطفاء من الحق لا بد أن يبرئه من كل ما يمكن أن يقع فيه نظيره من الاختيارات غير المرضية ، والحق - سبحانه - يريده نموذجا لا يقع منه إلا الخير ، والمثال الكامل على ذلك اصطفاء الحق سبحانه لرسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من أول الأمر وجعله لا يفعل إلا السلوك الطيب من أول الأمر ، وذلك حتى يعطينا الرسول القدوة الإيمانية في ثلاث وعشرين سنة هي مدة الرسالة المحمدية . والحق يقول لمريم على لسان الملائكة : « يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ » إنه أمر بالعبادة الخاشعة المستديمة لربها ، وكلمة « لربك » تعنى التربية ، فكأن الاصطفاءات هي من نعم اللّه عليك يا مريم ، وتستحق منك القنوت « وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ » و « اسجدى » أي بالغى في الخشوع ، والخضوع ، بوضع الجبهة التي هي أشرف شئ في الإنسان على الأرض ، لأن السجود هو أعلى مرتبة من الخضوع . لكن أيعفيها هذا اللون من الخضوع مما يكون من الركوع للّه مع الناس ؟ لا ، إنه الأمر الحق يصدر لمريم « وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ » ولا يعفيك من الركوع أنك فعلت الأمر الأعلى منه في الخضوع وهو السجود ، بل عليك أن تركعى مع الراكعين ، فلا يحق لك يا مريم أن تقولي : « لقد أمرني اللّه بأمر » أعلى ولن أنفذ الأمر الأدنى » إن الحق يأمرها أن تكون أيضا في ركب الراكعين مثلما نقرأ قوله الحق عن الكفار : ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ( 42 ) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ( 43 ) ( سورة المدثر ) إنهم كفار ، فكيف يصلون ؟ إنه اعتراف منهم بأنهم كفار ، ولم يكونوا مسلوكين في سلك من يصلى ، واعتراف بأنهم لم يكونوا مسلمين أو مؤمنين باللّه . وهنا يسأل سائل كريم : لماذا قال سبحانه وتعالى في خطابه لمريم : « يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ » ولم يقل الحق : « مع الراكعات » ؟ هذا هو السؤال .